القائمة الرئيسية

الصفحات

جعفر محمد بن جرير كان ذكيًّا نابغة، سريع الحفظ، ذا قدرةٍ هائلة على التعلُّم






 



الطبري .. العالم الموسوعي



الإمام الطبري
الإمام الطبري
ميلاد الطبري ونشأته
هو أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، وُلِدَ بطبرستان في آخر سنة 224هـ [1]، وحفظ الطبري القرآن وله سبع سنين، وصلَّى بالناس وهو ابن ثماني سنين، وكتب الحديث وهو في التاسعة، ثم ارتحل إلى الرَّي، ثم إلى بغداد ليأخذ العلم على أحمد بن حنبل؛ إلا أن الإمام أحمد مات قبل أن يصل الطبري إلى بغداد، فاتجه إلى البصرة فأخذ عن شيوخها، ثم انتقل إلى واسط، فالكوفة، ثم رجع إلى بغداد مرة أخرى، ثم رحل إلى مصر سنة 253هـ، واجتمع بمحمد بن إسحاق بن خزيمة، العالم المؤرخ، ثم عاد إلى بغداد بعد رحلة طويلة وانقطع للدرس والتأليف.
تلاميذ الطبري
لم يحصر الطبري نفسه بين الجدران والكتب، ولم يبتعد عن الحياة والمجتمع والأمة، وإنما كان منفتحًا على الحياة؛ يفتي الناس، ويملي على طلابه وتلامذته، ويقريء القرآن والقراءات، ويحدِّث بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصلي بالناس إمامًا، ويناظر الأئمة.. لذلك لا ينحصر إنتاجه في كتبه ومصنفاته، بل يشمل طلابه وتلامذته وأتباعه ومواقفه..
ومن أشهر تلامذته: القاضي أبو بكر بن كامل؛ أجلَّ أصحاب الطبري، وكان يتفقَّه على مذهب أبي جعفر الطبري [2]، وكتب عدَّة كتب على مذهبه، وهارون بن عبد العزيز (أهم رواة كتب الطبري)، وابن بشار الأحول (أستاذ ابن سريج) [3]..
ومن تلامذته في الفقه:
أبو الفرج المعافي (المعروف بابن الطرَّار) وقد شرح كتاب "الخفيف" للطبري [4]، وعلي بن عبد العزيز الدولابي، وأبو بكر بن أبي الثلج الكاتب، وأبو القاسم بن العرَّاد، وأبو محمد بن جعفر الفرغاني، وله كتاب "الذيل على تاريخ الأمم للطبري" [5].
ومن تلامذته في الحديث:
قاضي الكوفة أحمد بن كامل بن خلف بن شجرة البغدادي، وسليمان اللخمي الشامي، وأبو شعيب الحراني، ومحمد بن أحمد بن سنان، والفقيه المحدّث محمد بن شعيب النيسابوري، ومخلَّد بن جعفر الباقرحي، والقاضي أبو بكر الماينجي [6].
إسهامات الطبري العلمية



 
كان الطبري ذكيًّا نابغة، سريع الحفظ، ذا قدرةٍ هائلة على التعلُّم؛ فقد حدَّث عن نفسه؛ فقال: "جاءني يومًا رجلٌ فسألني عن شيء في علم العروض، ولم أكن نشطتُ له قبل ذلك؛ فقلت له: إذا كان غدًا فتعال إلي"، وطلب سِفْرَ العروض للخليل بن أحمد، فجاءوا له به فاستوعبه وأحاط بقواعده وكلياته في ليلة واحدة، يقول: "فأمسيت غير عروضي، وأصبحت عروضيًّا" [7].
ولم يقتصر الطبري على فن أو علم واحد، بل جمع مختلف العلوم الشرعية واللغوية وغيرها، وكان إمامًا فيها؛ فكان إمامًا في السنة وعلوم الحديث، وعدَّه النووي من طبقة الترمذي والنسائي، وسمع الحديث من كثيرين، بعضهم من شيوخ البخاري ومسلم.
وكان الطبري –كذلك- إمامًا في القراءات وعلوم القرآن، صنَّف فيها، وتعمَّق في دارسة التفسير، وصنَّف تفسيره، وضمَّنه علوم القرآن، حتى اعتُبِرَ إمامَ المفسرين وشيخهم.
وكان إمامًا في الفقه، وعلم الخلاف، والفقه المقارن، واختلاف العلماء، وكان من الأئمَّة المجتهدين، وصاحب مذهب مستقل، وتبعه بعض الناس على مذهبه، وصنف كتبًا في الفقه العام، والفقه المقارن، والفقه المذهبي.
ويُعَدُّ إمامًا في علم التاريخ، وهو شيخ المؤرخين، وله فيه كتب عظيمة. كما كان مبرَّزًا في علوم العربية؛ من المعاني واللغة والنحو والصرف والعروض والبيان، وكان عالمًا بالفلسفة والمنطق والجدل، وكان عنده شيء من الطب والجبر والرياضيات، وله نظم وشعر. وكان عالمًا بأصول الدين والتوحيد وعلم الكلام، وله كتب في ذلك. وكان عالمًا بالحديث، فهو حافظ محدث، وصنف كتبًا في علم الحديث ومصطلحه، والتزم بمنهج المحدِّثين في معظم كتبه. وكان عالمًا بأصول الفقه وقواعد الاجتهاد والاستنباط، وصنَّف فيه وعمل به. وكان عالمًا بآداب النفس وعلم الأخلاق والتربية، وصنف فيها [8].
من مؤلَّفات الطبري [9]
تدلُّ مؤلَّفات الطبري على غزارة علمه، وسَعَة ثقافته، ودقته في اختيار العلوم الشرعية والأحكام المتعلقة بها، وطول نَفَسِه، وصبره على البحث والدرس؛ فقد ذكر الخطيب في تاريخه أنَّ محمد بن جرير مكث أربعين سنة يكتب في كل يومٍ منها أربعين ورقة [10].
ومن أشهر هذه المؤلَّفات:
1- "جامع البيان عن تأويل القرآن" المعروف بتفسير الطبري، قال السيوطي عن تفسير الطبري: "وكتابه أجلُّ التفاسير وأعظمها" [11]، وقال النووي: "أجمعت الأمة على أنه لم يُصنَّف مثل تفسير الطبري" [12]، وقال أبو حامد الإسفراييني: "لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له كتاب تفسير ابن جرير لم يكن ذلك كثيرًا [13].
2- "تاريخ الأمم والملوك" المعروف بتاريخ الطبري.
3- "اختلاف علماء الأمصار في أحكام شرائع الإسلام" المعروف بـ"اختلاف الفقهاء"، وهو في علم الخلاف.
4- "تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار"، وسمّاه القفطي: "شرح الآثار"، وهو كتاب في الحديث.
5- "آداب القضاة"، وهو في الفقه عن أحكام القضاء وأخبار القضاة.
منهجه الطبري العلمي والفكري
منهج الطبري في التفسير
لم يُقدِم الطبري على تفسير كتاب الله تعالى إلا بعد نضوج الفكر، واكتمال العقل، وتحصيل العلوم، والتزود بآلات التفسير ووسائله، ولم يكن ليفسِّر القرآن بمجرد الهوى والتَّشهِّي والرأي، بل سار على منهج واضح وخطة حكيمة، وفوق ذلك فقد رسم الخطوط العريضة لتفسير القرآن الكريم، ووضع القواعد الصحيحة، واستنَّ القوانين الحكيمة، ووضع السياج الأمين للحفاظ على مقاصد الشريعة.
وقد قدَّم الطبري مقدمة مستفيضة لكتابه، تحتوي أصول التفسير في الإسلام؛ ليلتزم بها بنفسه، ويرسم الطريق لمن يأتي بعده، ويحدد الحدود لتناول كتاب الله تعالى؛ وقد عرض الطبري منهجه بإيجاز، بعد أن بيَّن فضل محمد بالنبوة والمعجزات، وفضل الله على هذه الأمة بحفظ كتابها ومعجزة نبيها، ثم بين فضل العناية بكتاب الله، ثم قال: "ونحن في شرح تأويله، وبيان ما فيه من معانٍ مُنشِئون كتابًا مستوعبًا، لكل ما بالنَّاس إليه الحاجة من علمه جامعًا، ومن سائر الكتب غيره في ذلك كافيًا، ومخبرون في كل ذلك، بما انتهى إلينا من اتفاق الحُجَّة فيما اتفقت عليه الأمة، واختلافها فيما اختلفت فيه منه، ومبينو عِلَلَ كلِّ مذهب من مذاهبهم، وموضحو الصحيح لدينا من ذلك، بأوجز ما أمكن من الإيجاز في ذلك، وأخصر ما أمكن من الاختصار فيه" [14]، ثم شرع الطبري بتفصيل منهجه في أصول التفسير مع ذكر الأدلة الشرعية واللغوية، وضرب الأمثلة العملية من القرآن الكريم والسنة وكلام العرب واللغة والشِّعر [15].
وتفسير الطبري ذو منهج خاص، يذكر فيه الآية أو الآيات من القرآن، ثم يعقبها بذكر أشهر الأقوال التي أثرت عن الصحابة والتابعين في تفسيرها، ثم يورد بعد ذلك رواياتٍ أخرى متفاوتة الدرجة في الثقة والقوة في الآية كلِّها أو بعض أجزائها، بناءً على خلافٍ في القراءة، أو اختلافٍ في التأويل، ثم يعقب كل ذلك بالترجيح بين الروايات، واختيار أولاها بالتقدمة، وأحقها بالإيثار، ثم ينتقل إلى آية أخرى، فينهج نفس النهج عارضًا ثم ناقدًا ثم مرجحًا؛ وهو إذ ينقد أو يرجح، يرد النقد أو الترجيح إلى مقاييس تاريخية من حال رجال السند في القوة والضعف، أو إلى مقاييس علمية وفنية: من الاحتكام إلى اللغة التي نزل فيها الكتاب، نصوصها وأقوال شعرائها، ومن نقد القراءة وتوثيقها أو تضعيفها، ومن رجوع إلى ما تقرَّر بين العلماء من أصول العقائد، أو أصول الأحكام أو غيرهما من ضروب المعارف التي أحاط بها ابن جرير، وجمع فيها مادة لم تجتمع لكثير من غيره من كبار علماء عصره" [16].
وبعد أن بين الطبري ذلك وضع قواعد التفسير، وأصول التأويل، وحذَّر من التفسير بالرأي، والتلاعب في كلام الله تعالى بحسب الأهواء والأغراض، وأورد الأحاديث الكثيرة بأسانيدها في تحريم ذلك، وتجنَّب التفسير بالرأي المجرد، وقال: "إن ما كان من تأويل آي القرآن الذي لا يدرك علمه إلا بنص بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بنصبه الدلالة عليه، فغير جائز لأحد القيل فيه برأيه؛ لأن إصابته ليست إصابة موقن أو محق، وإنما هو إصابة خارص وظانّ، والقائل في دين الله بالظن قائل على الله ما لم يعلم، وقد حرَّم الله ذلك" [17].
ويلتزم الطبري بما اتفق عليه المسلمون في درجات التفسير؛ فيلجأ أولاً إلى تفسير القرآن بالقرآن، ثم إلى تفسيره بالسُّنة البيانية وما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يتبع ذلك بالآثار الواردة عن الصحابة رضوان الله عليهم، وعن التابعين.
منهج الطبري في التاريخ
يُعتَبَر الطبريُّ أبا التاريخ، وهو عمدة المؤرخين عند العرب والمسلمين، وهو أول مؤرِّخ وصل إلينا كتابه العام والكامل في التاريخ، ويعتمد عليه كل من كتب في التاريخ على الإطلاق، وكان ثقة في نقله [18].
تاريخ الأمم والملوك لابن جرير الطبري
وللطبري في التاريخ كتابان: الأول تاريخ الأمم والملوك: ويسمى أيضًا التاريخ الكبير [19]، وذكره ياقوت الحموي باسم "تاريخ الرسل والأنبياء والملوك والخلفاء" [20]، ويُعرَف بتاريخ الطبري، وبه اشتهر ولمع صيته، وفرغ منه في (27 من ربيع الأول 303هـ) [21]، وقد وصل تاريخ الطبري إلى قمة التأليف التاريخي عند العرب والمسلمين في القرون الثلاثة الأولي.
وتظهر أهمية الكتاب في كونه [22]:
- أوّلَ كتاب في التاريخ العام، وأقدم مصدر كامل للتاريخ العربي واللغة العربية منذ أوائل الزمان إلى أول القرن الرابع الهجري؛ وحافلاً بالنصوص الأدبية وتراجم الشعراء والخطباء وغيرهم..
- جمعَ الكثير من أخبار العرب في الجاهلية وحفظها من الضياع، وأرَّخ للقرون الأولي في الإسلام.
- ذَكرَ تاريخ الفرس، وتاريخ الرومان بدقة شديدة.
- مصدرًا لمن جاء بعده من المؤرِّخين، مثل مسكويه (421هـ)، وابن الأثير (630هـ)، وابن خلدون (808هـ).
والكتاب الثاني: تاريخ الإسلام: وقد عرضه بناءً على منهج محدد، تتلخص معالمه فيما يلي [23]:
- نظام الحوليات؛ الترتيب الزمني للأحداث عامًا بعد عام.
- نقل الروايات؛ سواء كانت موافقة لرأيه أم لا، مع ذكر السند موصولاً كما في الحديث.
- الاعتماد على المصادر التي صنَّفت قبله، وجمع الأخبار وضبط النصوص؛ فيذكر أحداث كل سنة في شكل أخبار، ويذكر للحادثة الواحدة رواياتٍ مختلفة.
- الاستطراد في ذكر الأسباب والتفصيلات المصاحبة، ووضع العناوين للأحداث؛ وخاصة الأحداث المهمة، والتوسع في سيرة الخلفاء؛ بإعطائهم أولوية خاصة وأهمية متميزة.
- الإكثار من الوثائق التاريخية؛ لذا اعتبر تاريخه أوثق مصادر التاريخ الإسلامي، وتسجيل النصوص الأدبية؛ كالشعر والخطابة والرسائل والمحاورات ذات الصلة [24].
- الحياد والواقعية؛ لورعه وتقواه ودقته، والجرأة في العرض؛ حيث عرض حوادث لا تُرضي العباسيين، وهم الخلفاء في عصره [25].
منهج الطبري في الفقه
كانت شخصية الطبري الفقهية أقوى وأشهر وأرسخ من شخصيته كمفسِّر أو مؤرِّخ، وقد عاش مع الفقه، ومارس الاجتهاد، وأفتى الناس والوزراء والخلفاء، وبدأ حياته بتصنيف كتاب "اختلاف الفقهاء"، وظلَّ يكتب في الفقه ويدرِّسه طيلة حياته، ولم يصنِّف التفسير إلا عندما قارب الستين [26].
ولعلَّ السبب في هذه الصورة الباهتة لشخصيته الفقهية فيما بعد، يرجع إلى انقراض تلاميذه، وغياب مذهبه الفقهي، بسبب قلَّة أتباعه وخمولهم في حمله ونشره، ولكنَّ ذلك لا يقلِّل من أهمية فقه الطبري واجتهاده وآرائه وإمامته، حتى إنَّ العلاّمة أبا العباس بن سريج قال عنه: "محمد بن جرير الطبري فقيه العالَم" [27]، والطبري حسب اصطلاح ابن عابدين: هو من طبقة المجتهدين في الشرع، وهو مجتهد مستقل، استقل بوضع قواعد لنفسه وأصول لاجتهاده، ليبني عليها أقواله وفقهه" [28]، كما ذكره الشيرازي في "طبقات الفقهاء" وعدَّه في جملة المجتهدين المستقلين، ولم يعدَّه من طبقات أصحاب المذهب الشافعي [29]، وقال عنه ابن خلكان: "وكان من الأئمَّة المجتهدين، لم يقلِّد أحدًا، وكان أبو الفرج المُعَافي على مذهبه" [30].
ولمذهبه الفقهي قواعد محدَّدة للاستنباط، ومنهج معين للاستدلال؛ وقد حدَّد الطبري منهجه وقواعده، ونصَّ على المصادر التشريعية التي يعتمد عليها، ولكن كتب الطبري في أصول الفقه قد فُقِدت، ولم يصل إلينا منها شيء، ولم نضع أيدينا على التحديد الصريح والكامل لأصول مذهبه ومنهجه في الاستنباط، وقواعده في البيان والاستدلال [31]، ولكن يظهر لنا من كتبه المطبوعة (التفسير والتاريخ وغيرها..) أن أصول الأحكام، ومصادر التشريع عند الطبري هي: القرآن الكريم، السنة، الإجماع، القياس، اعتبار مقاصد الشريعة بتحقيق مصالح الناس، العرف [32].
منهج الطبري في الحديث
ويتضح منهج الطبري في كتابه تهذيب الآثار؛ حيث رتَّبه ترتيبًا خاصًا بحسب الأسانيد، وتناول كل حديث بتدقيق السند، وما في المتن من الفقه، وذكر غريب الألفاظ، وغريب المعاني، وما يستنبط من الحديث من الأحكام الشرعية، وما يثور حوله من اختلاف الفقهاء، مع إيراد حُجَجِهم وأدلَّتِهم، ومناقشة الأدلة، وبيان القول الراجح، وبيان مذهبه في المسألة، وحُجَّته فيما ذهب إليه [33].
دراسات عن الطبري
الطبري: د. أحمد محمد الحوفي.
الطبري: عبد الله بن عبد العزيز المصلح.
الإمام الطبري شيخ المفسرين، وعُمدة المؤرِّخين، ومُقدَّم الفقهاء المحدثين: د. محمد الزحيلي.
موسوعة عباقرة الإسلام: د. رحاب خضر عكاوي.
نوابغ المسلمين: مصطفى وهبة.
وفاة الطبري
تُوُفِّي الطبري في يوم 26 من شهر شوال سنة 310 هـ، وعمره (86 سنة) [34]؛ فرحمه الله رحمةً واسعةً، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.






[1] ياقوت الحموي: معجم الأدباء، 18/48.
[2] المصدر السابق 18/ 54.
[3] انظر: ابن قاضي شهبة : طبقات الشافعية 3/121.
[4] ابن النديم: الفهرست ص 328، 329.
[5] الذهبي: سير أعلام النبلاء 14/271، 16/132، فؤاد سزكـين: تاريخ التراث العربي 1/2/164، تاريخ الأدب العربي 3/47.
[6] (أبو بكر) يوسف بن القاسم الماينجي (ت 375هـ)، قاضي دمشق ومُسند الشام في وقته.
[7] السابق نفسه 18/56.
[8] محمد الزحيلي: الإمام الطبري ص 46، 47.
[9] لمعرفة مؤلفات الطبري؛ انظر: ياقوت الحموي: معجم الأدباء 18/42 وما بعدها، الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 2/16، طبقات الشافعية الكبرى 3/121، تذكرة الحفاظ 2/711، مفتاح السعادة 1/416، 2/426، تاريخ التراث العربي 1/2/162، تاريخ الأدب العربي 3/45 وما بعدها، كشف الظنون 1/64، 303، إنباه الرواة 3/90، الطبري للحوفي ص89، الفهرست ص326، الطبري للمصلح ص 38، الطبري للزحيلي ص51 وما بعدها.
[10] الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 2/ 163.
[11] السيوطي: الإتقان في علوم القرآن، 2/ 186.
[12] النووي: تهذيب الأسماء 1/ 78.
[13] ياقوت الحموي: معجم الأدباء 18/ 42.
[14] الطبري: جامع البيان في تأويل آي القرآن 1/5.
[15] محمد الزحيلي: الإمام الطبري ص120.
[16] انظر: كلمة (الناشر) أ. محمد محمود الحلبي: الطبعة الثالثة، تفسير الطبري 1/4.
[17] الطبري: جامع البيان في تأويل آي القرآن 1/ 35.
[18] مفتاح السعادة 1/253، وابن خلكان: وفيات الأعيان 3/332.
[19] ياقوت الحموي: معجم الأدباء 18/68.
[20] المصدر السابق 18/44.
[21] الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 2/163.
[22] محمد الزحيلي: الإمام الطبري 207 وما بعدها.
[23] محمد الزحيلي: الإمام الطبري ص231-238 باختصار وتصرُّف.
[24] ظهر الإسلام 2/204. ويقول أحمد أمين: وكتابه هذا، مع أنه تاريخي في أصله، فالقارئ له يقف على ثروة كبيرة في الأدب؛ لأنه في حكايته للروايات المختلفة يقصها في لغة رصينة بليغة، غاية في القوة".
[25] ظهر الإسلام 2/204.
[26] ياقوت الحموي: معجم الأدباء 18/42.
[27] طبقات الشافعية الكبرى 3/123.
[28] انظر: حاشية ابن عابدين 1/77، الفقه الإسلامي وأدلته 1/47.
[29] الشيرازي: طبقات الفقهاء ص93.
[30] ابن خلكان: وفيات الأعيان 3/332، وانظر: روضات الجنات 7/292.
[31] محمد الزحيلي: الإمام الطبري ص 169.
[32] انظر بحث "الجانب الفقهي في تفسير الطبري" للدسوقي ص31، 32، وبحث "فقه الطبري" لقلعجي ص 26.
[33] انظر تهذيب الآثار مسند علي بن أبي طالب ص11-13.
[34] محمد الزحيلي: الإمام الطبري ص 33.

موضوع من مصدر  اخر 

الإمام الطبري

38

الإمام الطبري اسمه ومولده

هو محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري رحمه الله تعالى، يُكنى بـأبي جعفر، وعُرف بذلك، واتفق المؤرخون على أنه لم يكن له ولد يسمى بـجعفر، بل إنه لم يتزوج أصلاً، ولكنه تكنَّى التزامًا بآداب الشرع الحنيف، فقد كان النبي يُطلِق الكُنَى على أصحابه[1].
وُلِد سنة 224هـ/ 839م[2]، وكانت ولادته بآمُل عاصمة إقليم طبرستان[3]. قال الخطيب البغدادي: "استوطن الطبري بغداد، وأقام بها إلى حين وفاته"[4].

طفولة الإمام الطبري وتربيته

نشأ الطبري بآمل، وتربى في أحضان والده وغمره برعايته، وتفرس فيه النباهة والذكاء والرغبة في العلم فتولى العناية به ووجَّهه منذ الطفولة إلى حفظ القرآن الكريم، كما هي عادة المسلمين في مناهج التربية الإسلامية، وخاصةً أن والده رأى رؤيا تفاءل بها خيرًا عند تأويلها.
فقد رأى أبوه رؤيا في منامه أن ابنه واقف بين يدي الرسول ومعه مخلاة مملوءة بالأحجار، وهو يرمي بين يدي رسول الله ، وقصَّ الأب على مُعَبِّرٍ رؤياه فقال له: "إن ابنك إن كبر نصح في دينه، وذبَّ عن شريعة ربه".
ويظهر أن الوالد أخبر ولده بهذه الرؤيا وقصها عليه عدة مرات؛ فكانت حافزًا له على طلب العلم والجد والاجتهاد فيه والاستزادة من معينه، والانكباب على تحصيله ثم العمل به، والتأليف فيه؛ ليدافع عن الحق والدين[5].
وظهرت على الطبري في طفولته سمات النبوغ الفكري، وبدت عليه مخايل التفتح الحاد والذكاء الخارق والعقل المتقد، والملكات الممتازة، وأدرك والده ذلك فعمل على تنميتها وحرص على الإفادة والاستفادة منها؛ فوجَّهه إلى العلماء ومعاهد الدراسة، وساعده على استغلال كل هذه الطاقات دون أن يشغله بشيء من شئون الحياة ومطالبها، وخصص له المال للإنفاق على العلم والتعلم، وسرعان ما حقق الطبري أحلام والده، وزاد له في آماله وطموحه.
وقد حرص والده على إعانته على طلب العلم منذ صباه، ودفعه إلى تحصيله، فما كاد الصبي الصغير يبلغ السن التي تؤهله للتعليم، حتى قدمه والده إلى علماء آمل، وشاهدته دروب المدينة ذاهبًا آيبًا يتأبط دواته وقرطاسه.
وسرعان ما تفتح عقله، وبدت عليه مخايل النبوغ والاجتهاد، حتى قال عن نفسه: "حفظت القرآن ولي سبع سنين، وصليت بالناس وأنا ابن ثماني سنين، وكتبت الحديث وأنا في التاسعة"[6].

ملامح شخصية الإمام الطبري وأخلاقه

تمتع الإمام الطبري رحمه الله بمواهب فطرية متميزة، جبله الله عليها، وتفضل عليه بها، كما حفلت حياته بمجموعة من الصفات الحميدة، والأخلاق الفاضلة، والسيرة المشرفة؛ ومن هذه الصفات:

1- نبوغ الطبري وذكاؤه:

إن كثيرًا من صفات الإنسان تكون هبة من الله ، وعطاءً مباركًا من الخالق البارئ، ولا دخل للإنسان فيها، والله يختص برحمته من يشاء، ويفضل بعض الناس على بعض، ويرزق المواهب الخاصة لمن يشاء من عباده.
وكان الطبري -رحمه الله- موهوب الغرائز، وقد حباه الله بذكاء خارق، وعقل متقد، وذهن حاد، وحافظة نادرة، وهذا ما لاحظه فيه والده، فحرص على توجيهه إلى طلب العلم وهو صبي صغير، وخصص له موارد أرضه لينفقها على دراسته وسفره وتفرغه للعلم. ومما يدل على هذا الذكاء أنه رحمه الله حفظ القرآن الكريم وهو ابن سبع سنين، وصلى بالناس وهو ابن ثماني سنين، وكتب الحديث وهو ابن تسع سنين[7].

2- حفظ الطبري:

كان الطبري رحمه الله يتمتع بحافظة نادرة، ويجمع عدة علوم، ويحفظ موضوعاتها وأدلتها وشواهدها، وإن كُتُبه التي وصلتنا لأكبر دليل على ذلك، حتى قال عنه أبو الحسن عبد الله بن أحمد بن المفلس: "والله إني لأظن أبا جعفر الطبري قد نسي مما حفظ إلى أن مات ما حفظه فلان طول عمره"[8].

3- ورع الطبري وزهده:

وهاتان الصفتان من فضائل الأخلاق، ومن أشد الصفات التي يجب أن يتحلى بها العالم والداعية، والمربِّي والإمام، وكان الطبري رحمه الله على جانبٍ كبير من الورع والزهد والحذر من الحرام، والبُعد عن مواطن الشُّبَه، واجتناب محارم الله تعالى، والخوف منه، والاقتصار في المعيشة على ما يَرِدُهُ من ريع أرضه وبستانه الذي خلَّفه له والده[9].
قال عنه ابن كثير: "وكان من العبادة والزهادة والورع والقيام في الحق لا تأخذه في ذلك لومة لائم،... وكان من كبار الصالحين"[10].
وكان الطبري رحمه الله زاهدًا في الدنيا، غير مكترث بمتاعها ومفاتنها، وكان يكتفي بقليل القليل أثناء طلبه للعلم، وبما يقوم به أوده، ويمتنع عن قبول عطايا الملوك والحكام والأمراء[11].

4- عفة الطبري وإباؤه:

وكان الطبري رحمه الله عفيف اللسان، يحفظه عن كل إيذاء؛ لأن فعل اللسان قد يتجاوز في بعض الأحيان السنان، ولأن جرح السيف قد يُشفى ويبرأ، ولكن هيهات أن يُشفى جرح اللسان. وكان الطبري متوقفًا عن الأخلاق التي لا تليق بأهل العلم ولا يؤثرها إلى أن مات، ولما كان يناظر مرة داود بن علي الظاهري في مسألة، فوقف الكلام على داود، فشق ذلك على أصحابه، فقام رجل منهم، وتكلم بكلمة مَضَّة وموجعة لأبي جعفر، فأعرض عنه، ولم يرد عليه، وترفَّع عن جوابه، وقام من المجلس، وصنَّف كتابًا في هذه المسألة والمناظرة[12]. وكان الطبري عفيف النفس أكثر من ذلك، فهو مع زهده لا يسأل أحدًا، مهما ضاقت به النوائب، ويعفُّ عن أموال الناس، ويترفع عن العطايا[13].

5- تواضع الطبري وعفوه:

كان الطبري شديد التواضع لأصحابه وزواره وطلابه، دون أن يتكبر بمكانته، أو يتعالى بعلمه، أو يتعاظم على غيره، فكان يُدعى إلى الدعوة فيمضي إليها، ويُسأل في الوليمة فيجيب إليها[14].
وكان رحمه الله لا يحمل الحقد والضغينة لأحد، وله نفس راضية، يتجاوز عمن أخطأ في حقه، ويعفو عمن أساء إليه[15].
وكان محمد بن داود الظاهري قد اتهم الطبري بالأباطيل، وشنَّع عليه، وأخذ بالرد عليه؛ لأن الطبري ناظر والده، وفنَّد حججه، وردَّ آراءه، فلما التقى الطبري مع محمد بن داود تجاوز عن كل ذلك، وأثنى على علم أبيه، حتى وقف الولد عن تجاوز الحد، وإشاعة التهم على الطبري[16].
ومع كل هذا التواضع، وسماحة النفس، والعفو والصفح، كان الطبري لا يسكت على باطل، ولا يمالئ في حق، ولا يساوم في عقيدة أو مبدأ؛ فكان يقول الحق، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ثابت الجنان، شجاع القلب، جريئًا في إعلان الصواب مهما لحق به من أذى الجهال، ومضايقة الحساد، وتخرصات الحاقدين[17].

شيوخ الإمام الطبري

من أشهر شيوخ الطبري: محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وأحمد بن منيع البغوي، ومحمد بن حميد الرازي، وأبو همام الوليد بن شجاع، وأبو كريب محمد بن العلاء، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وأبو سعيد الأشج، وعمرو بن علي، ومحمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، وخلق كثير نحوهم من أهل العراق والشام ومصر[18].

تلاميذة الإمام الطبري

من أشهر تلامذته: أحمد بن كامل القاضي، ومحمد بن عبد الله الشافعي، ومخلد بن جعفر[19]، وأحمد بن عبد الله بن الحسين الجُبْني الكبائي[20]، وأحمد بن موسى بن العباس التميمي[21]، وعبد الله بن أحمد الفرغاني، وعبد الواحد بن عمر بن محمد أبو طاهر البغدادي البزاز[22]، ومحمد بن أحمد بن عمر أبو بكر الضرير الرملي[23]، ومحمد بن محمد بن فيروز[24]، وخلق كثير غيرهم.

مؤلفات الإمام الطبري:

ترك لنا الطبري ثروة علمية تدل على غزارة علمه، وسعة ثقافته،، ودقته في اختيار العلوم الشرعية والأحكام المتعلقة بها، وكان له قلم سيَّال، ونَفَس طويل، وصبر في البحث والدرس، فكان يعتكف على التصنيف، وكتابة الموسوعات العلمية في صنوف العلوم، مع ما منَّ الله عليه من ذكاء خارق، وعقل راجح متفتح، وجَلَد على تحمل المشاق؛ ومن هذه المؤلفات:
1- جامع البيان في تأويل القرآن، المعروف بتفسير الطبري.
2- تاريخ الأمم والملوك، المعروف بتاريخ الطبري.
3- كتاب ذيل المذيل.
4- اختلاف علماء الأمصار في أحكام شرائع الإسلام، المعروف باختلاف الفقهاء وهو في علم الخلاف.
5- لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام، وهو كتاب فقه في المذهب الجريري.
6- الخفيف في أحكام شرائع الإسلام، وهو في تاريخ الفقه.
7- بسط القول في أحكام شرائع الإسلام، وهو في تاريخ الفقه الإسلامي ورجاله وأبوابه.
8- تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار، وسماه القفطي (شرح الآثار) وهو كتاب في الحديث، بقيت منه بقايا طُبعت في أربع مجلدات.
9- آداب القضاة، وهو في الفقه عن أحكام القضاء وأخبار القضاة.
10- أدب النفوس الجيدة والأخلاق الحميدة.
11- كتاب المسند المجرد، ذكر فيه الطبري حديثه عن الشيوخ، بما قرأه على الناس.
12- الرد على ذي الأسفار، وهو ردٌّ على داود بن علي الأصبهاني مؤسِّس المذهب الظاهري.
13- كتاب القراءات وتنزيل القرآن، ويوجد منه نسخة خطية في الأزهر.
14- صريح السنة، وهي رسالة في عدة أوراق في أصول الدين.
15- البصير في معالم الدين. وهو رسالة في أصول الدين، كتبها لأهل طبرستان فيما وقع بينهم من الخلاف في الاسم والمسمى، وذكر مذاهب أهل البدع، والرد عليهم.
16- فضائل علي بن أبي طالب، وهو كتاب في الحديث والتراجم، ولم يتمه الطبري رحمه الله.
17- فضائل أبي بكر الصديق وعمر، ولم يتمه.
18- فضائل العباس، ولم يتمه.
19- كتاب في عبارة الرؤيا في الحديث، ولم يتمه.
20- مختصر مناسك الحج.
21- مختصر الفرائض.
22- الرد على ابن عبد الحكم على مالك، في علم الخلاف والفقه المقارن.
23- الموجز في الأصول، ابتدأه برسالة الأخلاق، ولم يتمه.
24- الرمي بالنشاب، أو رمي القوس، وهو كتاب صغير، ويُشك في نسبته إلى الطبري.
25- الرسالة في أصول الفقه. ذكرها الطبري في ثنايا كتبه، ولعلها على شاكلة الرسالة للإمام الشافعي في أصول الاجتهاد والاستنباط.
26- العدد والتنزيل.
27- مسند ابن عباس. ولعله الجزء الخاص من كتاب (تهذيب الآثار)، وطبعت البقية الباقية منه في مجلدين.
28- كتاب المسترشد.
29- اختيار من أقاويل الفقهاء[25].

منهج الإمام الطبري في التفسير

لقد لخص لنا الأستاذ الفاضل محمد محمود الحلبي - في كلمة الناشر للطبعة الثالثة - منهجَ الطبري باختصار فقال: "وهو تفسير ذو منهج خاص، يذكر الآية أو الآيات من القرآن، ثم يعقبها بذكر أشهر الأقوال التي أُثرت عن الصحابة والتابعين من سلف الأمة في تفسيرها، ثم يورد بعد ذلك روايات أخرى متفاوتة الدرجة في الثقة والقوة في الآية كلها أو في بعض أجزائها بناءً على خلافٍ في القراءة أو اختلاف في التأويل، ثم يعقِّب على كل ذلك بالترجيح بين الروايات واختيار أولاها بالتقدمة، وأحقها بالإيثار، ثم ينتقل إلى آية أخرى فينهج نفس النهج: عارضًا ثم ناقدًا ثم مرجِّحًا".
"وهو إذ ينقد أو يرجِّح يردُّ النقد أو الترجيح إلى مقاييس تاريخية من حال رجال السند في القوة والضعف، أو إلى مقاييس علمية وفنية: من الاحتكام إلى اللغة التي نزل بها الكتاب، نصوصها وأقوال شعرائها، ومن نقد القراءة وتوثيقها أو تضعيفها، ومن رجوع إلى ما تقرر بين العلماء من أصول العقائد، أو أصول الأحكام أو غيرهما من ضروب المعارف التي أحاط بها ابن جرير، وجمع فيها مادة لم تجتمع لكثير من غيره من كبار علماء عصره"[26].

آراء العلماء في الإمام الطبري

قال عنه ياقوت الحموي: "أبو جعفر الطبري المحدِّث، الفقيه، المقرئ، المؤرِّخ، المعروف، المشهور"[27].
وقال الخطيب البغدادي: "كان أحد أئمة العلماء، يُحكم بقوله، ويُرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظًا لكتاب الله، عارفًا بالقراءات كلها، بصيرًا بالمعاني، فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسنن وطرقها: صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم...، عارفًا بأيام الناس وأخبارهم"[28].
وقال القفطي: "العالم الكامل، الفقيه، المقرئ، النحوي، اللغوي، الحافظ، الإخباري، جامع العلوم، لم يُرَ في فنونه مثله، وصنف التصانيف الكبار"[29]. وقال عنه محمد بن إسحاق بن خزيمة: "ما أعلم على الأرض أعلم من محمد بن جرير"[30].
وقال ابن كثير: "كان أحد أئمة الإسلام علمًا وعملاً بكتاب الله وسُنَّة رسوله"[31]. وقال الإمام الذهبي: "الإمام الجليل، المفسر أبو جعفر، صاحب التصانيف الباهرة... من كبار أئمة الإسلام المعتمدين"[32].
وقال عنه الذهبي أيضًا: "كان ثقة حافظًا صادقًا، رأسًا في التفسير، إمامًا في الفقه والإجماع والاختلاف، عَلاَّمةً في التاريخ وأيام الناس، عارفًا بالقراءات واللغة، وغير ذلك"[33].
وقال عنه ابن تغري بردي: "وهو أحد أئمة العلم، يُحكم بقوله، ويُرجع إلى رأيه، وكان متفننًا في علوم كثيرة، وكان واحد عصره"[34].

آراء العلماء في مؤلفات الطبري

احتل تفسير الطبري سويداء القلب عند العلماء على مر العصور في القديم والحديث، وحظي بالرعاية والعناية، وأثنى عليه الأئمة والعلماء والمؤرخون والمفسرون، وسطروا الجمل المذهبة حوله، وعلقوا عليه أوسمة الفخار. قال عنه الإمام النووي: "لم يصنف أحد مثله"[35].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وتفسير محمد بن جرير الطبري هو من أجلِّ التفاسير وأعظمها قدرًا..."[36]. وقال أيضًا: "وأما التفاسير التي في أيدي الناس فأصحها تفسير محمد بن جرير الطبري، فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة، وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين كمقاتل بن بكير والكلبي"[37].
وقال مؤرِّخ الإسلام الذهبي: "وله كتاب التفسير، لم يصنف أحد مثله"[38]. وقال عنه القفطي: "وصنف التصانيف الكبار، منها تفسير القرآن الذي لم يُرَ أكبر منه، ولا أكثر فوائد"[39].
وقال السيوطي في الإتقان: "وكتابه أجلُّ التفاسير وأعظمها... فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض، والإعراب والاستنباط، فهو يفوقها بذلك"[40].
وقال الشيخ محمد الفاضل بن عاشور: "فكان جديرًا بالتفسير حين تناوله الطبري بتلك المشاركة الواسعة، وذلك التفنُّن العجيب أن يبلغ به أوجه، وأن يستقر على الصورة الكاملة التي تجلت فيها منهجيته، وبرزت بها خصائصه مسيطرة على كل ما ظهر من بعده من تآليف لا تحصى في التفسير"[41].
وقال أبو حامد الإسفراييني الفقيه: "لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصِّل تفسير ابن جرير، لم يكن كثيرًا"[42].

وفاة الإمام الطبري

عاش الطبري راهبًا في محراب العلم والعمل حتى جاءته الوفاة ولا رادَّ لأمر الله. قال الخطيب: "واجتمع عليه (حال الجنازة) من لا يحصيهم عددًا إلا الله، وصُلِّي على قبره عدة شهور ليلاً ونهارًا، ورثاه خلق كثير من أهل الدين والأدب"[43]. وكان ذلك في يوم 26 من شهر شوال سنة 310هـ/ 923م على الأرجح، في عصر الخليفة العباسي المقتدر بالله، ودُفِن في داره الكائنة برحبة يعقوب ببغداد[44].

[1] ابن كثير: البداية والنهاية 11/ 165.
[2]
ياقوت الحموي: معجم الأدباء 18/ 48.
[3]
السابق نفسه، الصفحة نفسها.
[4]
الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 2/ 549.
[5]
ياقوت الحموي: معجم الأدباء 18/ 49. د/ محمد الزحيلي: الإمام الطبري ص31.
[6]
ياقوت الحموي: السابق نفسه، الصفحة نفسها. د/ فؤاد سيزكين: تاريخ التراث العربي 1/ 159. د/ محمد الزحيلي: السابق نفسه ص37.
[7]ياقوت الحموي: معجم الأدباء 18/ 49. د/ محمد الزحيلي: الإمام الطبري ص61، 62.
[8]
ياقوت الحموي: السابق نفسه 18/ 69. د/ محمد الزحيلي: الإمام الطبري ص62.
[9]
تاج الدين السبكي: طبقات الشافعية الكبرى 3/ 125.
[10]
ابن كثير: البداية والنهاية 11/ 166.
[11]
د/ محمد الزحيلي: الإمام الطبري ص68.
[12]
ياقوت الحموي: معجم الأدباء 18/ 78، 79.
[13]
د/ محمد الزحيلي: الإمام الطبري ص71.
[14]
ياقوت الحموي: معجم الأدباء 18/ 89.
[15]
السابق نفسه 18/ 84.
[16]
السابق نفسه 18/ 80. ابن كثير: البداية والنهاية 11/ 146.
[17]
ياقوت الحموي: معجم الأدباء 18/ 85، 86. د/ محمد الزحيلي: الإمام الطبري ص76.
[18]
الخطيب البغدادي: تاريخ بغدد 2/ 548.
[19]
السابق نفسه، الصفحة نفسها.
[20]
ابن الجزري: غاية النهاية في طبقات القراء 1/ 72.
[21]
السابق نفسه 1/ 139، 140.
[22]
السابق نفسه 1/ 475.
[23]
السابق نفسه 2/ 77.
[24]
السابق نفسه 2/ 247.
[25]
د/ محمد الزحيلي: الإمام الطبري ص51- 53.
[26] تفسير الطبري 1/ 4.
[27]
ياقوت الحموي: معجم الأدباء 18/ 40.
[28]
الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 2/ 550.
[29]
القفطي: إنباه الرواة 3/ 89.
[30]
الذهبي: العبر في خبر من غبر 1/ 460.
[31]
ابن كثير: البداية والنهاية 11/ 146.
[32]
الذهبي: ميزان الاعتدال 3/ 498، 499.
[33]
الذهبي: سير أعلام النبلاء 14/ 270.
[34]
ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة 3/ 205.
[35]
الإمام النووي: تهذيب الأسماء واللغات 1/ 78.
[36]
ابن تيمية: مجموع الفتاوى الكبرى 13/ 361.
[37]
السابق نفسه 13/ 385.
[38]
الذهبي: سير أعلام النبلاء 14/ 270.
[39]
القفطي: إنباه الرواة 3/ 89.
[40]
السيوطي: الإتقان في علوم القرآن 2/ 190.
[41]
الشيخ محمد الفاضل بن عاشور: التفسير ورجاله ص31.
[42]
الذهبي: العبر في خبر من غبر 1/ 460.
[43]
الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 2/ 554.
[44]
ياقوت الحموي: معجم الأدباء 18/ 40. القفطي: إنباه الرواة 3/ 90. تاج الدين السبكي: طبقات الشافعية الكبرى 3/ 126. ابن خلكان: وفيات الأعيان 3/ 332. الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 2/ 166.

Related Posts islamstory...